السبت، 29 أغسطس 2015

نقد لفيديو منتشر حول أن التطور مجرد إيمان أعمى لا علم



تلقيت عددا من الطلبات للتعليق على هذا الفيديو الذي شاهدته قبل سنوات و رغم أنني لا أكاد أذكره لكني إستغربت جدا من إفتتان الناس به لسبب ما، و حين شاهدته قبل قليل عرفت لم راودني ذلك الشعور المزعج لأنه كاد يسبب لي القياء أول مرة من إبتذاله و سخفه !
و لكن رب ضارة نافعه، ففعلا لابد من وضع النقاط فوق الحروف حول أسباب التحير و التلاعب التي يمرر عبرها المنتج البارع رسالته المغلوطة وسط الناس، و باديء ذي بدء لابد من القول بأن إستجابات المشاركين في الفيديو تتراوح بين سذاجة الرد و المفاجأة بسخف الأسئلة لدرجة الذهول الذي يعرض كوجوم العاجز بالإضافة لتقنيات التقطيع و إبتسار الإجابات حتى تقول ما يريده المنتج لا ما قاله حقا المشاركين في اللقائات !
عموما هناك ثلاثة مغالطات أساسية تقوم عليها حجج الفيديو:
1) التغير بالإنتخاب الطبيعي هو مجرد "تكيف" و ليس تطورا داروينيا
2) التغير التدريجي بين الأنواع species لا يعتبر تطورا داروينيا بل هو التغير بين الفصائل فقط between kinds
3) الطريقة العلمية تقوم على المشاهدة و الرصد في الحاضر حصرا
و لنقم بالتفصيل في كل محور من هذه المحاور الثلاث ..

1) التكيف و التطور و الإنتخاب الطبيعي:
هذه الحجة هي أهم نقطة أود التركيز عليها لأنها حقا جوهرية في كل ما يرفضه المعارضون عادة عن التطور، فالأمثلة "المشهودة" الواضحة للتكيف adaptation بواسطة الإنتخاب الطبيعي natural selection تعرض أو تفهم من قبل الكثيرين كما حاول هذا الفيديو تسويقه بالضبط : قدرة طبيعية للتكيف مع البيئة يملكها الكائن الحي و لا تعلق لها بالتطور الدارويني !
الحقيقة هي أن التكيف _الذي نعرف له آلاف الأمثلة حرفيا في الطبيعة و في المختبر_ إنما هو تطور دارويني بإمتياز يقوم حصرا على ثلاثة أعمدة : التباين الوراثي genetic variation الناتج عن الطفرات العشوائية، الإنتخاب الطبيعي للجينات التي تنتج صفات تزيد من النجاح التكاثري ، سيادة الصفات المتكيفة عبر أجيال عدة في مجموعة population من الكائنات و ليس في فرد واحد.
المثال الكلاسيكي هو عنق الزرافة، فالتكيف _كما تقول به الحجة الداحضة_ يفترض أن محاولة الزرافة للوصول للأغصان العالية سببت تمددا طفيفا في عنقها و أن هذا التمدد تم توريثه للأبناء الذين أضافوا تمددا طفيفا بدورهم حتى وصلنا للطول الحالي للزرافة و كذا نفسر كل التكيفات للكائنات في بيئاتها !! هذا بالطبع هو التطور اللاماركي (المنسوب للعالم لامارك) الذي أثبت العلم خطئه البائن فالصفات المكتسبة لا تورث عبر الجينات ! و بغض النظر عن أي تصور آخر لآلية التكيف المزعوم فالواقع العملي و العلمي قد أوضح بما لا يدع مجالا للشك في أن التكيفات البسيطة هذه تحدث عبر آليات التطور الدارويني لا غيرها من تصورات.
السيناريو التطوري يعمل كالآتي : في مجموعة من الزراف يكون هناك تباين عشوائي في جينات طول العنق بحيث يكون هناك أعناق أطول و أقصر من المتوسط، و بطبيعة الحال يكون للزراف الأطول عنقا ميزة نسبية في الوصول للغذاء الشيء الذي يجعلها أنجح في التكاثر و توريث هذا الطول النسبي لأبنائها بينما يقل عدد أبناء ذوات العنق القصير لنقص الموارد الغذائية المتاحة لها عبر التنافس، ثم عبر أجيال عديدة يتم "إنتخاب" ذوات الأعناق الأطول فالأطول عبر الزمن و تسود جيناتها في المجموعة لينتج الزراف الحالي طويل العنق في نهاية المطاف.
كما هو واضح فإن هذا "التكيف" يحمل كل خصائص التطور الدارويني بإمتياز ! و لا يمكن عزوه إلى "مجرد تكيف" غير دارويني إطلاقا بل و هو يتميز بإسم هو التطور الصغري microevolution و الأدلة عليه لا حصر لها فعلا ! لذا فمن المهم أن يدرك الجميع أن ما يثير السخط عادة في نظرية التطور (العشوائية و الإنتخاب) هو شيء مثبت فعلا كحقيقة علمية مشاهدة كما يريد أصحاب الفيديو بغض النظر عن موضوع أصل الأنواع و إستلالها من بعضها البعض عبر الزمن الجيولوجي الطويل.

2) الإستنواع Speciation و التطور الكبير MacroEvolution:
هنا يبدع منتجو الفيدو في إعداد مغالطة ماهرة لا فكاك منها ! حيث يعيدون تعريف المفاهيم بما يناسب غرضهم الذي هو ليس الحقيقة على كل حال ! فبالتعريف يستغرق حدث الإستنواع أي ظهور نوع جديد من نوع آخر آلاف بل مئات الآلاف لملايين السنين ! و بالتعريف يكون التغير بين نوع و آخر طفيفا جدا فلا يمكن خروج إنسان من سمكة مثلا بخطوة واحدة بل يكون النوع الناتج قريب الشبه بالنوع السابق له بحيث ينتميان لنفس الفصيلة ولابد !
فإذا أخذنا هاتين الحقيقتين بالإعتبار نجد أن هناك طلبا متكررا بالفيديو لا يمكن فهمه أبدا إلا كفخ لصيد الجاهلين بما تقوله النظرية حقا (من المشاهدين) و هو :  إذكر مثالا مشاهدا للتطور بين فصيلة و آخرى؟ فكيف يمكن أن يشير المرء لحدث مشاهد في الـ 150 سنة التي هي عمر النظرية لشيء يستغرق ملايين السنين ليحدث بالتعريف؟ أيكون العجز عن الإشارة لمثال كهذا إفحاما للمسئول أم أنه مجرد مغالطة سخيفة ستتضح في الجزء الثالث من نقدي هذا حين أوضح لم كان السائل يقاطع المتحدثين و يحجب شرحهم للطريقة العلمية حقا ! و من ناحية أخرى كيف يمكن أن يتجاهل السائل أمثلة الإستنواع speciation التي ذكرها المتحدثون حقا بحجه غريبة و هي أن السمك بقى سمكا و الطيور بقيت طيورا !! التطور الدارويني بالإنتخاب الطبيعي تدريجي بالتعريف أي أن النوع المنبثق عن سابقه سيكون من نفس فصيلته قطعا و لن تظهر الفروقات الكبيرة إلا عبر ملايين السنين كالفرق بين الإنسان و الشمبانزي مثلا ! السائل يفرض تعريفا من عنده للتطور يقول بأن التطور يتم بخطوة واحدة يمكن مشاهدتها بين فصائل متباعده و يطالب المسئولين بذكر أمثلة لو أنها موجوده  فستهدم النظرية من أساسها ! و حين يستغربون من طلبه هذا يقطع الفيديو ليوحي بالباطل بعجزهم عن الإجابة عن سؤال لا إجابة له أصلا و لا يصح !! فغاية ما يمكن ذكره هو أدلتنا غير المباشرة على التطور الكبير و الأمثلة التي نشاهدها اليوم لأنواع قريبة الشبه من بعضها نظن أنها تفرعت لتوها من بعضها و هذا بالضبط ما يرفضه أصحاب الفيديو دون منطق علمي يبرر هذا الموقف العجيب !

3) الطريقة العلمية و كيف نعرف عبر العلم:
هناك رسالة خبيثه بالفيديو مفادها أن العلم هو رأي العين فقط ! أن الطريقة العلمية تقوم حصرا على المشاهدة و الملاحظة للحقائق لا غير و أن ما لا يمكن رصده و هو يحدث غير علمي بل إيمان غيبي فقط !!
باديء ذي بدء لابد من ملاحظة أن المشاهدة و الرصد كانا لآلاف السنين يدعمان تماما نظرية أن الأرض ثابته و تدور حولها الشمس و أنها مسطحه بلا لبس و أن السماء فوقها كالقبة الزجاجية !! فمن أبجديات فلسفة العلوم أن الإستنتاج من المشاهدات هو العلم و ليس للملاحظات في حد ذاتها مجرده من إطارها التفسيري أبدا ! 
فمثلا حين ينقل لك مئات الأشخاص نفس الوصف بالذات لحفل حدث في الماضي بحيث لا يكون أيا منهم قد إلتقى أبدا بالآخرين ثم أن تجد آثارا متوافقه تماما مع حفل قد تم في نفس المكان بنفس الحجم الذي وصفه جمع الأشخاص ثم تجد ملصقات قديمة تعلن عن ذلك الحفل في الماضي فأنت هنا في موقع تأكد من حدث الحفل بأكثر مما لو شاهدته بأم عينك لأنك قد تكون متوهما في تلكم الحالة !!
بإختصار الأدلة على التطور الكبير التي يحاول الأشخاص بالفيديو شرحها للسائل تماثل محاولة شرح أدلة الحفل أعلاه و تخيل لو قاطعك السائل حينها بسخافة ليسئلك : و لكن الحفل كان في الماضي و لم تشاهده أنت أليس كذلك ؟ و حين تجيب بالطبع تجده يعلن إنتصاره عليك بأنك لا تملك دليلا موضوعيا (علميا) للإعتقاد بحدوث الحفل ما دام الحال كذلك !!
الأدلة الإحفورية و الجينات و التوزع الجغرافي و التشريح المقارن و علم النمو و غيرها تتآزر لتحكي حدث التطور الكبير و كونه بالتعريف مما لا يمكن رصده مباشرة لن يخرج به من العلوم و لا من الطريقة العلمية لأن هناك العديد و العديد من التنبؤات و التوقعات التي تتطلب الإتساق تماما مثل الأشخاص بقصة الحفلة و آثارها و ملصقاتها بحيث أن أي إختلاف في الرواية ستشكك علميا في حدوثها ! و حين تتسق القصة التي تحكيها الأدلة بجمال فمن المبرر تماما أن تبصم على أن الحفل قد حدث فعلا و إن لم تحضره أنت شخصيا !!
كيف عرفنا تكون الأرض و الشمس من السدم الغازية و كيف عرفنا التاريخ في خطوطه العريضة و كيف نعرف الجزء الأكبر من معارفنا العلمية إن لم يكن عبر الطريقة العلمية التي يستحيل معها الرصد المباشر كما يطالبنا بصفاقة أصحاب الفيديو لحاجه في نفس يعقوب ؟؟ من المثير تقبل الناس لهذا الهراء في كنس تام لكل المعارف البسيطة حول طريقة عمل العلم و تصديق التعريف المبتسر الذي تم تقديمه في الفيديو السخيف !!!

ملحوظات ختامية:
- أكاد أجزم بأن هناك طلابا لم تعرض مشاركاتهم قد قالوا نفس كلامي هذا و بأن الأساتذه قد قالوه بلا ريب و لم يظهر في النسخة النهائية التي عرضت فيها فقط مجموعة لا شغف لها فعلا بما تدرسه من علوم بحيث تعجز عن الإجابة عن أسئلة سهلة كهذه.

- الثقة في الخبراء ليست تصديقا أعمى بل هو ثقة في الطريقة العلمية عبر النشر و النقد في المجلات العلمية و تمحيص الدليل من قبل مجموعات مختلفة لا علاقة لها ببعض بل تتنافس بشراسه فيما بينها، و تؤكده التكنولوجيا التي تقوم على نتائج هذه البحوث فلا يمكن أن تنجح إن لم تقم على أساس موضوعي و يكفي أن بروتوكولات علاج الإيدز مثلا تقوم على مباديء البيولوجيا التطورية !


ليست هناك تعليقات: